الحديث المتواتر
تقسيم الحديث باعتبار طرق وصوله إلينا

أولا وقبل كل شيء، ينبغي أن نعرف
أن سلف الأمة ومتقدمي علماء إذا صح عندهم الحديث تلقوه بالقبول
. ولم يبحثوا عن كونه متواترة أو آحادة أو يفيد الظن أو العلم بل تلقوه بالقبول والتسليم والعمل به
استغل بعض أهل الأهواء كالمعتزلة مسألة التواتر والآحاد استغلالا سيئة
.وقصدوا بها الطعن فيما لا يوافق أهواءهم من السنة
البحث في التواتر والآحاد في الحديث النبوي - على طريقة الأصوليين - قليل فائدة
لأنه ليس من مباحث علم الإسناد أصلا. علم الحديث هو معرفة القواعد التي يتوصل بها
إلى معرفة حال الراوي و المروي. والمتواتر لا يلزم فيه البحث عن أحوال رواتها جرحا أو تعديلا
.بل لا يشترط إسلامهم
التعبير ب "المتواتر" أو "التواتر" كان موجودا في كلام سلف المحدثين
كأحمد - المتوفى: 241هـ وأبي عبيد القاسم بن سلام - المتوفى: 224هـ و البخاري - 256هـ
وابن أبي عاصم - المتوفى: 287هـ و محمد بن نصر المَرْوَزِي - المتوفى: 294ه وغيرهم
والإمام الشافعي المتوفى: 204هـ يسميه في كتابه "الرسالة" خبر العامة
.وما يعرف بالآحاد يسميه خبر الخاصة و خبر الواحد
و يعتبر الخطيب البغدادي أول من أدخل مبحث المتواتر- على طريقة الأصوليين - في كتب علوم الحديث
،ومن المشهور المتواتر الذي يذكره أهل الفقه وأصوله
.وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص بمعناه الخاص
والمتواتر الذي يتكلم عنه الأصوليون ونحوهم، يتكلمون عنه من حيث دخوله في الأخبار كلها
.وليس خاصا بأخبار المصطفى
تعريف المتواتر
.في اللغة : التتابع، يقال : تواتر المطر إذا تتابع نزوله
وفي الاصطلاح - عند الأصوليين
أن يرويه جماعة ، تحيل العادة تواطأهم على الكذب، عن مثلهم، ويكون مستندهم الحس
أن يرويه جماعة
منهم من حصرهم في الأربعة أو الخمسة أو السبعة والراجح عند المحققون أن ذلك لا يضبط بعدد مخصوص
قال ابن قدامة : فإنه لو قتل رجل في السوق وانصرفت جماعة فأخبرونا بقتله فإن قول الأول يحرك الظن
الثاني يؤكده ولا يزال يتزايد حتى يصير ضرورية ولا يمكننا تشكيك أنفسنا فيه. انتهى
وهذا يأكد على عدم اشتراط عدد في التواتر
تحيل العادة تواطأهم على الكذب
أن يعلم بمستقر العادة أن اتفاق هؤلاء على الكذب محال
.والكذب هو الإخبار بخلاف الواقع وهو على قسمين: خطأ ومدة
عن مثلهم
.يعني يرويه عدد كثير عن عدد كثيرين، كأن يرويه عشرة عن سبعة عن ثمانية عن ثلاثة عشر
فهنا الكثرة موجودة في كل طبقة مع اختلاف العدد، لكن بشرط أن يحصل العلم في كل طبقة
ويكون مستندهم الحس
.الحس أي السماع أو المشاهدة. قد تقرر أن من الأشياء يعرف بواسطة العقل ككون الواحد نصف الاثنين
.وأن منها ما يعرف بواسطة الحس ككون زيد قال كذا، أو فعل كذا
شروط المتواتر
أن يرويه عدد كثير *
تحيل العادة تواطأهم على الكذب *
الكثرة في جميع طبقات السند *
ويكون مستندهم الحس أي المشاهدة السماع *
بعضهم يجعل الأول والثاني شرطة واحدة. وأضاف بعضهم في الشروط إفادة العلم
ذكر للحافظ ابن حجر ذلك في شروط المتواتر. هي نتيجة التواتر وثمرته لا شرطه
قال الألوسي : وعد الأخير وهو إفادة العلما شرطا فيه نظر، لأن إفادة العلم حكم المتواتر
فكيف يجعل ذلك الشيء شرطا لا داخلا في تعريفه فيلزم منه الدور
.ليس من شروط التواتر أن يكون المخبرون مسلمين ولا عدولا
.الشرط أنهم مع كثرتهم لا يتصور اجتماعهم على الكذب وتواطؤهم عليه ويمكن ذلك في الكفارأو المسلمين

فائدة التواتر وحكمه
نتيجته الأساسية : إفادة العلم
ومنهم من يعبر بالعلم الضروري، ومنهم من يعبر بالعلم القطعي، ومنهم يعبر بالعلم دون قيد
.وهي عبارات مترادفة بمعنى القطع بصحة الخبر
.وفائدة ما يستفاد من معرفة المتواتر حصول العلم والقطع بصحة الخبر
والمتواتر عند الأصوليين يحصل به العلم الضروري و عند المحدثين يحصل به العلم النظري
.أي العلم الناتج عن بحث واستدلال
القطع بصحة الخبر يحصل بأمرين
التواتر، وقد تقدم *
القرائن المحتفة أي حاصلة بخبر الآحاد *
.والقرائن كثيرة متنوعة، ولذا حصل القطع بصحة أكثر الأحاديث الصحيحة عند أهل الحديث
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فأهل الحديث لشدة عنايتهم بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم
وضبطهم لأقواله وأفعاله وأحواله يعلمون من ذلك علما لا يشكون فيه مما لا شعور لغيرهم به ألبتة
فخبر أبي بكر وعمر بن الخطاب ومعاذ ابن جبل وابن مسعود ونحوهم يفيد العلم الجازم
.الذي يلتحق عندهم بقسم الضروريات. وعند الجهمية والمعتزلة وغيرهم من أهل الكلام لا يفيد علما

مثال المتواتر
فذهب ابن الصلاح و علماء الحديث منهم ابن حبان، وأبو بكر الحازمي إلى أن المتواتر بالتعريف المتقدم
على طريقة الأصوليين - لا على طريقة المحدثين يكاد يوجد له مثال في السنة
إلا أن يدعي في حديث: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار
.لكن قال ابن حجر أن ما ذكر ابن الصلاح من عزة التواتر ممنوع وكذا ما ادعاه غيره عدمه
.لأن ذلك نشأ عن قلة اطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم
والصحيح أن إثبات التواتر في الأحاديث عسر جدا لأن من شرطه كما عدم البحث عن أحوال رواتها
.بل عدم إسلامهم. وما من حديث يدعى فيه التواتر عند علماء الحديث إلا بعد البحث والتمحيص
.و المتواتر في الحديث النبوي كثير جدا إلا أنه من المتواتر المعنوي

المتواتر - على طريقة الأصوليين
ليس من مباحث علم الاسناد
المتواتر عند الأصوليين
أنه لا يبحث فيه عن أحوال رواتها جرحا أو تعديلا ، بل لا يشترط إسلامهم و يحصل به العلم الضروري
قال ابن الصلاح: ومن المشهور المتواتر الذي يذكره أهل الفقه وأصوله
وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص
وقال ابن حجر : إذ علم الإسناد يبحث فيه عن صحة الحديث أو ضعفه؛ ليعمل به أو يترك
.من حيث صفات الرجال وصيغ الأداء. والمتواتر لا يبحث عن رجاله، بل يجب العمل به من غير بحث
المتواتر عند أهل الحديث
فأهل الحديث يستعملون المتواتر و يفسرونه على خلاف المعروف عند الأصوليين
.فالمتواتر عند أهل الحديث يشترط فيه عدالة الرواة و البحث في أحوالهم، و يفيد العلم النظري

أقسام المتواتر
المتواتر اللفظي
ما تواتر لفظه و معناه. ومثله حديث
من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار
ذكر أبو بكر البزار أنه روي عن رسول الله نحو من أربعين رجلا من الصحابة
المتواتر المعنوي
وهو ما تواتر معناه دون لفظه. وأمثلته كثيرة جدا منها
أحاديث رفع اليدين في الدعاء -
أحاديث رؤية الله تبار وتعالی -
أحاديث الحوض -
أحاديث الشفاعة -
أحاديث المسح على الخفين -
أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد -
المصنفات في المتواتر

قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة - لجلال الدين السيوطي *
لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة - لأمحمد مرتضى الحسيني الزبيدي *
نظم المتناثر من الحديث المتواتر - لمحمد بن جعفر الكتاني *
هذه المصنفات في الأحاديث المتواترة فيها ما هو متواتر على طريقة أهل الحديث وفيها ما هو صحيح
.ولا يبلغ رتبة التواتر الحديثي، بل فيها ما هو ضعیف ودون ذلك

Komentar
Posting Komentar